تحظى الأعيان المدنية الحيوية، لا سيما المرافق الطبية وطواقم الإنقاذ، بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، مع ذلك تشير البيانات الموثقة إلى أن هذه الحماية تعرضت لتقويض ممنهج في سياق الحرب اللبنانية الأخيرة.
في الفترة بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول 2024 وثّقت اليونيسيف مقتل أكثر من 4 آلاف شخص من المدنيين وإصابة أكثر من 16 ألفًا آخرين، مع استمرار سقوط الضحايا المدنيين بشكل ملحوظ حتى بعد سريان وقف إطلاق النار. علاوة على ذلك، تم توثيق استهداف مباشر وممنهج لفرق الإنقاذ والمرافق الصحية، وتذكر هيومن رايتس ووتش أنه بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024 سجلت وزارة الصحة اللبنانية مقتل ما لا يقل عن 222 من العاملين في مجال الصحة والإنقاذ. كما تجاوزت الأضرار التي ألحقتها العمليات العسكرية الإسرائيلية بالبنية التحتية اللبنانية حوالي 3.4 مليار دولار أمريكي، وخسائر اقتصادية تتجاوز 5 مليارات دولار أمريكي.
"صُنّف عدد الغارات الجوية الإسرائيلية على لبنان من أكتوبر إلى نوفمبر 2024 ضمن أعلى معدلات الهجمات على مستوى العالم في القرن الحادي والعشرين."
وثّقت المفكرة القانونية الهجمات التي طالت مراكز الدفاع المدني اللبناني: ففي الفترة بين سبتمبر/أيلول و16 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، دُمرت كليًا خمسة من مراكز الدفاع المدني اللبناني، فيما طال التدمير الجزئي بين 15 و20 مركزًا آخر، وأدى ذلك إلى مقتل 27 من عناصر الدفاع المدني وخروج 42 آلية تابعة له عن الخدمة. كانت إحدى تلك الهجمات غارة على مركز لمديرية الدفاع المدني الإقليمي في بعلبك، أسفرت عن مقتل 12 من عناصره بعد إتمامهم مهمة إنقاذ مساء 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. جاء هذا التحقيق بعد رصد وتحليل محتوى مفتوح المصدر مرتبط بالحادثة، للتأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين وجبر الضرر، وضمان أن تخضع الواقعة وسواها من الحوادث الموثقة أيضًا لتحقيقات مستقلة تضمن عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
خلفية سريعة
بعد تصاعد الصراع بين حزب الله والجيش الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول 2024، وبدء الأخير عملياته الجوية المكثفة على لبنان إلى جانب الاجتياح البري الواسع، ازداد حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية والسكان المدنيين. أسفر هذا التصعيد عن مقتل أكثر من 500 شخص خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى، وفق بيانات منظمة العفو الدولية. كما بدأت إسرائيل في تطبيق منهجيتها المعتادة بإعلان وإلقاء مناشير الإخلاء بشكل تدريجي لأجزاء واسعة من لبنان، من بينها إعلان إخلاء مدينة بعلبك وبلدة عين بورضاي ودورس في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2024.
تزامن ذلك مع هجمات منهجية مدمرة على البنية التحتية في تلك المناطق، شملت معالم تراثية ومنشآت حيوية مثل محطات معالجة المياه، والطرق، والمدارس، والمستشفيات، وفرق الإنقاذ.
عن الحادثة
أبلغت وسائل الإعلام عن مقتل عدد من موظفي ومتطوعي المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني في بلدة دورس التابعة لقضاء بعلبك مساء 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
تتبع المديرية العامة للدفاع المدني لوزارة الداخلية اللبنانية، وهي جهة رسمية تُعنى بتأمين الحماية المدنية للأشخاص والممتلكات والبيئة، وتسعى إلى تجنّب الأخطار التي تهدد السلامة العامة في حالات الكوارث الطبيعية أو الظروف الطارئة الناجمة عن الأعمال العدائية، بما في ذلك حالات الحرب.
جاء الهجوم وسط إدانات واستنكار واسع، إذ أسفرت الغارة عن مقتل 12 موظفًا ومتطوعًا كانوا داخل مبنى المركز بعد انتهاء مهمة استجابة عاجلة لهجوم في حي الشعب. ويُعد مركز بعلبك الإقليمي للدفاع المدني أحد المراكز الرئيسية التابعة للمديرية العامة، وهو مسؤول إداريًا وميدانيًا عن 15 مركزًا فرعيًا للدفاع المدني في محافظة بعلبك - الهرمل.
بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إخلاء جميع مناطق بعلبك وضواحيها، بدأ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 نشر سلسلة منشورات مخصصة على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن إخلاءات في مدينة بعلبك. ومن بين تلك المنشورات، ورد بلاغ بتاريخ 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 يشير إلى إخلاء مبنى يقع بالقرب من بلدية دورس، ويبعد نحو 734 مترًا عن مركز الدفاع المدني الإقليمي في بعلبك.
في نهار يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أغارت مقاتلات الجيش الإسرائيلي على مبنى من طابقين في حي الشُعب بمدينة بعلبك، ما أدى إلى سقوط عددٍ من القتلى والجرحى. وكانت فرق الهيئة الصحية الإسلامية وفرق الدفاع المدني تعمل على انتشال الضحايا ورفع الركام في موقع الحادثة.
أفادت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد مرور ساعات من هجوم حي الشُعب بوقوع هجومين آخرين في قضاء بعلبك؛ الأول على بلدة سرعين شرق بعلبك عند الساعة 20:14:04 بالتوقيت المحلي، والثاني على بلدة البزالية عند 20:16:19 بالتوقيت نفسه.
بعد أقل من نصف ساعة، أفاد حساب قناة النجباء الفضائية على منصة إكس بوقوع غارتين على بلدة دورس جنوبي بعلبك، عند الساعة 20:40:06 بالتوقيت المحلي. كما نُشر بلاغ مماثل في حساب قناة الميادين على تطبيق تلغرام عند الساعة 20:39 بالتوقيت نفسه.
ذكر حساب (fouadkhreiss@) أن إحدى الغارات التي استهدفت محيط بعلبك قصفت مركزًا للدفاع المدني، وأرفق صورة تظهر آلية مدمرة ربما تكون شاحنة إطفاء تابعة للمركز، عند الساعة 20:47:14. وأعقبه منشور من حساب قناة الجديد اللبنانية يؤكد استهداف مركز مديرية الدفاع المدني نقلًا عن مراسليها، عند الساعة 20:52:39.
يسرد أحد الشهود العيان أن فريق الدفاع المدني كان عائدًا بعد إتمام أعمال الإنقاذ في موقع غارة حي الشُعب، حيث افترق الأفراد؛ بعضهم عاد إلى منزله، فيما عاد آخرون إلى مبنى المركز ليستريحوا ويستأنفوا العمل. ولم تمضِ ساعتان حتى تعرّض مبنى مركز الدفاع المدني للهجوم، فقُتل عناصر الإنقاذ الذين كانوا بداخله.
بناءً على تسلسل الأحداث المنشورة ومراجعة البلاغات الزمنية، يمكن تحديد توقيتٍ محتمل للهجوم بين الساعة 20:00 (الثامنة مساءً)، كما أشارت المفكرة القانونية في أحد تقاريرها، وحتى الساعة 20:52، وهو أول بلاغ من وسيلة إعلام يؤكد قصف مبنى الدفاع المدني الإقليمي في دورس، وذلك يوم الخميس 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
الموقع الجغرافي
بعد مراجعة المحتوى المتاح على الإنترنت حول الحادثة، وردت عبارات مثل «مبنى الدفاع المدني الإقليمي» و«الدفاع المدني في دورس بعلبك»، ما استدعى البحث عبر خرائط جوجل لتحديد الموقع الدقيق. قاد البحث إلى مبنى مديرية الدفاع المدني الإقليمي في دورس، حيث أظهرت المطابقة البصرية تطابقًا واضحًا مع المعالم المحيطة، مثل الجامع المجاور للمبنى، بالإضافة إلى ثلاثة مبانٍ مميزة تقع مقابله.
صور مطابقة للمباني الثلاثة المميزة الواقعة في محيط ومقابل مبنى مديرية الدفاع المدني الإقليمي في بلدة دورس، التُقطت من فيديوهات قناة الغد، وقناة الجديد اللبنانية، وقناة الميادين، إضافة إلى صور منشورة في موقع النهار وصفحة مديرية الدفاع المدني اللبناني.
تم تحديد الموقع الجغرافي للهجوم عند الإحداثية (33.993216، 36.186445) في بلدة دورس، الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة بعلبك. أدّى الهجوم إلى تدمير المبنى بأكمله وتحويله إلى ركام، كما تضرّرت المباني السكنية المحيطة ضمن دائرة نصف قطرها يبلغ نحو 51 مترًا.
لإضافة طبقة تحقق إضافية، جرى تحليل صورتين ملتقطتين بواسطة القمر الصناعي Sentinel-2؛ الأولى بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والثانية بتاريخ 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وقد أظهرت المقارنة بين الصورتين بوضوح الضرر الناتج عن الهجوم على مركز بعلبك الإقليمي للدفاع المدني.
كان حجم الضرر كبيرًا، إذ دُمِّر المبنى بالكامل، كما تُظهر الصور آليات تابعة للدفاع المدني مُدمّرة ومحترقة في محيط الموقع. وتشير المفكرة القانونية إلى أن الهجوم تسبب في إعطاب ثلاث آليات إطفاء وآلية لرفع الأنقاض، إضافةً إلى أضرار جزئية في المباني السكنية المجاورة.
مجموعة صور توثّق الضرر الذي ألحقته الغارة بمركز الدفاع المدني الإقليمي في دورس بعلبك.
رواية الشهود
أجرت المفكرة القانونية مقابلات مع عدد من الشهود على الحادثة. من بينهم لارا كركبا، وهي متطوعة في مركز الدفاع المدني الإقليمي بعلبك، والتي تروي أن آخر اتصال أجراه معها رئيس المركز بلال رعد كان قبل دقائق من الهجوم، عبر الجهاز الرباعي بعد أن توقف الهاتف الأرضي بسبب التشويش الناتج عن تصاعد الهجمات الجوية. تقول لارا إن رعد كان يتواصل معها عادة لنقل الإحصائية اليومية لمهام المركز المسؤول عن خمسة عشر مركزًا فرعيًا. وتضيف أنه "خلال المكالمة أغار الطيران الإسرائيلي على بلدة شمسطار وحوش النبي، وبعد ثوانٍ انقطعت المكالمة تزامنًا مع سماعي صوتًا يشبه الصاروخ". وتشير لارا إلى أنها فقدت والدها إلى جانب عددٍ من زملائها في الهجوم الذي وقع مساء الخميس 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
يروي حسن، وهو أحد عناصر الدفاع المدني الإقليمي في بعلبك، أنه كان في المبنى مع زملائه بعد انتهاء مهمة إنقاذ، وغادر قبل الهجوم بنصف ساعة لشراء العشاء. أثناء عودته سمع دويَّ الانفجار، فخطر بباله أنه سيُستدعى فورًا لمهمة إنقاذ جديدة، لكن سرعان ما تلقى رسالةً تُفيد بقصف المركز. عند وصوله وجد المبنى مدمرًا بالكامل، ولم يبقَ من زملائه سوى جثامين خمسةٍ منهم، بينما تحوّلت أجساد الباقين إلى أشلاء متفرِّقة.
تفاوتت التقديرات حول عدد الضحايا جراء الهجوم، إذ تراوحت بين 12 و15 من عناصر المركز بين قتيل وجريح. وثّقت المفكرة القانونية مقتل 14 عنصرًا وأرفقت أسماءهم، بينما نعت المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني عبر حسابها الرسمي على فيسبوك بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مقتل 12 من عناصرها في الغارة التي استهدفت مركز بعلبك الإقليمي، ونشرت أسماءهم وصورهم.
وكان من بين القتلى رئيس المركز بلال رعد، المسؤول عن تلقي التحذيرات ونقلها إلى الأهالي في المنطقة. وتشير المصادر إلى أن بعض الضحايا تحوّلت أجسادهم إلى أشلاء متفرّقة بسبب شدة الانفجار، ما اضطر الجهات المختصة إلى إجراء تحاليل الحمض النووي (DNA) للتعرّف عليهم.
صور بطاقات الضحايا.